مقامات التصوف: مقام التوبة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين….

إّن مقام التوبة هو أوّل مقامات التصوف، وهو محتاجٌ إليه في كل مقامٍ يدخله المريد، فما زال المريد يتوب عن المقام الذي قبله ما دام يترقّى من درجةٍ إلى أعلى، فإن توقفت توبته توقف ترقيه.

مقام التوبة

التوبة: رجوعٌ عما كان مذموماً في الشرع إلى ما هو محمود فيه، وهي مبدأ طريق السالكين ، ومفتاح سعادة المريدين ، وشرط في صحة السير إلى الله تعالى.

قال تعالى : (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون) [النور:31].

وقال تعالى: (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) [هود:52].

وقال تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) [التحريم:8].

وكان الرسول المعصوم عليه الصلاة والسلام كثيراً ما يجدّد التوبة ويكرّر الاستغفار تعليماً للأُمة وتشريعاً لها، فعن عن الأغرّ بن يسار المُزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإنّي أتوب في اليوم مائة مرة” (رواه مسلم في صحيحه في كتاب الذكر).

قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: (التوبة واجبةٌ من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدمي، فلها ثلاثة شروط: أحدها: أن يُقلع عن المعصية. والثاني: أن يندم على فعلها. والثالث: أن يعزم ألّا يعود إليها أبداً.

فإن فقد أحد الثلاثة لم تصحّ توبته. وإن كانت المعصية تتعلّق بآدمي فشروطها أربعة: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حقّ صاحبها. فإن كانت مالاً أو نحوه ردّه إليه، وإن كان (أي حق الآدمي) حدَّ قذفٍ ٍونحوه مكّنه منه أو طلب عفوه، وإن كانت غيبةً استحلَّه منها. ويجب أن يتوب من جميع الذنوب) (رياض الصالحين ص10).

ومن شروط التوبة ترك قرناء السوء، وهجر الصحاب الفسقة الذين يحبّبون للمرء المعصية، وينفّرونه من الطاعة، ثمّ الالتحاق بصحبة الصادقين الأخيار، كي تكون صحبتهم سياجاً يردعه عن العودة إلى المعاصي و المخالفات.

ولنا عبرة بالغة في الحديث الصحيح المشهور الذي روى لنا فيه سيّدنا رسول الله ﷺ قصة قاتل المائة الذي أرشده أَعْلمُ أهل زمانه إلى أنّ الله يقبل توبته، واشترط عليه أن يترك البيئة الفاسدة التي كان لها الأثر الكبير في انحرافه وإجرامه، ثمّ أشار عليه أن يذهب إلى بيئة صالحة فيها أُناسٌ مؤمنون صالحون ليحبهم ويهتدي بهداهم.

والصوفي لا ينظر إلى صِغر الذنب، بل ينظر إلى عظمة الرب، اقتداءً بأصحاب رسول الله ﷺ. فقد كان سيّدنا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (إنّكم لتعملون أعمالاً هي أدقّ في أعينكم من الشعر إن كنا نعدُّها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات. قال أبو عبد الله : يعني ذلك المُهلكات) (رواه البخاري في صحيحه في كتاب الرقاق عن أنس رضي الله عنه).

ولا يقف الصوفي عند التوبة من المعصية، لأنها في رأيه توبة العوام، بل يتوب من كلّ شيء يشغل قلبه عن الله تعالى، وإلى هذا أشار الصوفي الكبير ذي النون المصري رضي الله عنه لمّا سُئِل عن التوبة فقال: (توبة العوام من الذنوب، وتوبة الخواص من الغفلة) (الرسالة القشرية- باب التوبة ص47) .

ويقول عبد الله التميمي رضي الله عنه: (شتّان بين تائبٍ وتائب… فتائبٌ يتوب من الذنوب والسيئات، وتائبٌ يتوب من الزلل و الغفلات، وتائبٌ يتوب من رؤية الحسنات والطاعات) (الرسالة القشرية- باب التوبة ص47).

واعلم أنّ الصوفي كلّما صحّح عِلمه بالله تعالى، وكَثُرَ عمله دقّت توبته؛ فمن طهر قلبه من الآثام والأدناس و أشرقت عليه أنوار الإيناس لم يخْفَ ما يدخل قلبه من خفي الآفات، وما يعكّر صفوه حين يهم بالزلات، فيتوب عند ذلك حياء من الله الذي يراه.

ويستتبع التوبة الإكثار منه الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار ، وهذا يُشعر الصوفي بالعبودية الحقّة والتقصير في حق مولاه، فهو اعترافٌ منه بالعبودية وإقرارٌ بالربوبية.

إنّ الصوفي يقرأ في كتاب الله تعالى: (استغفروا ربكم إنّه كان غفّارا * يُرسل السماء عليكم مدرارا * ويُمدكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا) [نوح:10-12].

وقوله تعالى: (إن المتقين في جنات وعيون * آخذين ماآتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل مايهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون) [الذاريات:15-18].

يقرأ الصوفي هذه الآيات وغيرها، فيذرف الدمع أسفاً على ما قصّر في حياته، وحسرةً على ما فرّط في جنب الله. ثمّ يلتفت إلى عيوبه فيُصلحها وإلى تقصيراته فيتداركها وإلى نفسه فيزكّيها، ثمّ يُكثر من فعل الطاعات والحسنات عملاً بقوله عليه الصلاة والسلام: ((وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمحها)).

قال الشيخ أحمد زروق في قواعده: (تُعتبر دعوى المُدّعي نتيجة دعواه، فإن ظهرت، صحَّتْ، و إلّا فهو كذّاب، فتوبةٌ لا تتبعها تقوى باطلة، وتقوى لا تظهر بها استقامة مدخولة، واستقامةٌ لا ورعُ فيها غير تامة، وورعٌ لا ينتج زهداً قاصر، وزهدٌ لا يشيد توكّلاً يابس، وتوكّلٌ لا تظهر ثمراته بالانقطاع إلى الله عن الكل واللَّجَأِ إليه صورةٌ لا حقيقةَ لها، فتظهر صحة التوبة عند اعتراض المُحَرَّم، وكمالُ التقوى حيث لا مُطَّلِع إلا الله، ووجود الاستقامة بالتحفّظ على إقامة الورد في غير ابتداع، ووجودُ الورع  في مواطن الاشتباه فإن تَرَك فكذلك، و إلّا فليس هنالك).

وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

في حال كان لديك أي سؤال عن التصوف والصوفية يمكنك التواصل معنا، نرحب بجميع الأسئلة من أي طرف كانت!