بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتمّ التسليم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين…
يستشكل مفهوم المريد وتعريفه وصفاته عند كثير من السالكين في طريق التصوف والمعرفة، وإنّ الالتزام بما قرّره أهل كل اختصاص على الطالبين والسالكين عندهم هو فرضٌ على كلّ سالك لكي ينال ثمرة سلوكه، ولا يخرج صفر اليدين ويضيع حياته في ما لا ينفعه. ومن هذا المنطلق بيّن لنا رجال الطريق الصوفي رضوان الله عليهم صفات المريد الحقيقي وعلاماته، ومتى ينتقل إلى كونه مراداً، ليختصروا على السالكين الطريق، وهم بذلك يبيّنوا العثرات والعقبات التي قد تعترض سير المريد وسلوكه إلى الله تعالى.
المريد والمراد عند السادة الصوفية رضي الله تعالى عنهم
لا يخلو شخص على الأرض من إرادة تحركه لنيل هدفٍ ما، عَظُم أو صغر، فتراه يخطط لهذا الهدف ويرسم شكله في مخيلته، وطرق الوصول إليه، والمساعدات التي تساعده على تحقيقه بأسرع وقت، ويتحرّى عن ماهيّة العقبات التي قد تعترضه خلال سيره فيضع خططاً لحلها وتذليلها.
والأهداف، كبرت أم صغرت، تقع في إحدى خانتين، إمّا دنيوية أو أخروية أو مشتركة بينهما. فالدنيوية والأخروية معروفة، أما الـ “مشتركة بينهما” فنقصد بها الأعمال الدنيوية ذات النفع الأخروي، وهي بالجملة من الأفعال المحببة.
وهكذا نجد أنّ المريد لهدف ما إمّا أن يكون مريداً للدنيا أو مريداً للآخرة. فمريد الدنيا غايته تنتهي بقضاء وطره من شهوات الدنيا، وفي الآخرة لا نصيب له، ومريد الآخرة هدفه التزود بالأعمال التي تكسبه في الآخرة رفعةً ومكانةً تبوّئُه جنة النعيم وتبعده عن نار الجحيم.
أما المريد في العرف الصوفي: فهو الذي يبذل نفسه للتعرف على الله تعالى. وهذا هو الأنفس، والأندر بين الأصناف سابقة الذكر. فطلاب الدنيا كثرة لا يعول عليها وطلاب الآخرة قلة محبذة لكنهم خرجوا من الدنيا دون تذوق معنى المعرفة، ودون دخول مقام الإحسان. أما طلاب الله فهم ندرة نفيسة أكملوا دينهم بأركانه الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان. فنالوا بذلك شرف الدنيا والآخرة. وأتتا إليهم راغمتين.
-إذا فالمريد: هو الذي تعلقت إرادته بمعرفة الحق، وقرّر سلوك طريق التصوف، ودخل تحت تربية شيخ الطريقة.
والمريد الطالب لمعرفة الله تعالى هو في الحقيقة مراد: أي أنّ الحق تعالى دعاه وقرّبه منه فخلع عليه خلعة القبول، فتحركت الدواعي في المريد لمعرفة الله تعالى وبالتالي غالباً ما يكون المريد الصادق مراداً. استشهاداً بقوله تعالى “يحبهم ويحبونه” و “ثم تاب عليهم ليتوبوا”.
وقد ذُكر في كتب القوم تعبيرٌ آخر لطالب المعرفة، وهو الفقير: أي هو من افتقر ممّا سوى الله ورفض كلّ ما يشغله عن الله. وهو لا يملكه شيء ولا يملك شيء، بمعنى أنّ حاله أقوى من المريد وهمّته أنهض، لأنّ المريد قد يكون من أهل الأسباب أمّا الفقير فلا يحصره الكون لرفع همته ونفاذ بصيرته.
المريد هو من وصفه الله تعالى بالآية التالية: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) بمنعى أنّه يتولى الإقبال كلية على الله، فيحدث له تعالى قبولاً كشعرة بقلبه، ويحدث منه لطفاً يثير الاجتهاد فيه، والإقبال عليه، والإرادة له، ثم تكاشفه الأحوال. كما حدث للصحابي الجليل حارثة رضي الله عنه حين قال: عزفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت نهاري وسهرت ليلي. ثم قال: وكأني أنظر عرش ربي بارزاً. فانظر أنّ بدايته كانت مجاهدة ثم بعدها جاءته الكشوفات والمشاهدات.
وقد عرَّف سيّدي محمد الهاشمي قدّس الله سرّه المريد الحقيقي أو الصادق فقال: (هو الذي سلَّم نفسه مباشرة بالفعل للشيخ المرشد الحي في أيام السير إلى الله تعالى ليسلك به الطريق إلى أن يقول: ها أنت وربك) فيصير المريد مراداً. فإذا انتهى سيره إلى الله تعالى وصار في الله بالله لله صار المريد مراداً عبداً لله حراً مما سواه.
وقد قيل أنّ المريد من لا إرادة له دون مولاه، وهي على ثلاثة مراتب:
- إرادة التبرك والحرمة: وهي لمن ضعفت همته وكثرت علائقه وهذا لا يلزم بشروط الصحبة ولو كانت الطريق التي دخلها طريق معرفة لأن نيته التبرك فقط.
- إرادة الوصول إلى الحضرة: وهي لأهل التجريد وقوة العزم وهذا يلزمه شروط الصحبة لأنه مريد حقيقي.
- إرادة خلافة وكمال معرفة: وهي لمن ظهرت نجابته وكملت أهليته وصُرِّح له بالخلافة من شيخ كامل أو هاتف صادق. وهذا أيضاً تلزمه شروط الصحبة ليتحقق فيه ما صُرِّح له به من الخلافة أو سمعه من الهاتف الصادق.
أما المريد المجازي: فهو الذي ليس قصده إلّا الدخول مع القوم والتزيِّ بزيّهم والانتظام في سلك عقدهم والتكثير لسوادهم، وهذا لا يُلزم بشروط الصحبة بل يُلزم بلزوم الشرع ومخالطة الطائفة حتى تشمله بركتهم وينظر إلى أحوالهم وسيرهم لعله يسلك مسلكهم ويؤهّل لما أُهّلوا له، ومثل هذا له أن ينتقل إلى طريقٍ أخرى ولا حرج عليه. كما أن طريق التبرك لا حرج في الانتقال منها إلى غيرها.
أما استفادة المريد من شيخه فهي متعلقة بهمّة المريد، فإن وافقت نية المريد وهمته همة الشيخ حصل الانتظام وإلّا وقع الخلاف لأنّ نية المريد مخالفة لهمة الشيخ، بأن تكون فقط للتبرك وهمة الشيخ فيه الوصول بأنه يقع الاختلاف ولا ينال ما نوى من الشيخ، إلّا إذا سبقت له من الله تعالى سابقة فتنهضه عندها همة الشيخ.
وعموماً يجب أن يكون شيخ الطريقة عارفاً بصيراً بأحوال السير، فيسيّر كل مريد على قدر طاقته وجهده: فليس سير الصدّيق كالصادق، وليس الصادق كالمتردد، وليس المتردد كالمنكر. فيحمل الصديق من المجاهدة والأذكار وخراب المظاهر وتقهير الباطن ما لا يحمله الصادق، و يحمل الصادق من ذلك ما لا يحمله المتردد، ويحتال على المنكر بالسياسة حتى يربي له الصدق وهكذا يسير مع كل أحد من القاصدين. وأعظم سبب لتربية المريد هو ارتحاله من عالم الحس إلى عالم المعنى، وبالتالي إذا لم يتربّى الفقير فالسبب عدم ارتحاله من عالم الحس إلى عالم المعنى، بمعنى عدم إخراج حب الدنيا من قلب المريد. وها قول سيدنا حارثة رضي الله عنه: (عزفت نفسي عن الدنيا) فلو كان في المعاني لتربّى، إذ لا يتربّى إلا الموجود وهو الذي خلق في المعاني، أما المعدوم فكيف يتصور أن يتربى وهو في العدم. فقد جرى على ألسنة الناس (حتى يُخلق نسميه) فإذا أردت أيها الشيخ أن تربي من شئت فتسبب في ولادته في المعاني حتى تحصل له هذه المعاني، فإن حصلت فحينئذٍ ربِّه فإنه يتربى حين ذلك.
أما تعريف الإرادة التي يجب أن يتحلى فيها المريد: “فهي قصد الوصول إلى المحبوب بنعت المجاهدة أو التحبب إلى الله بما يرضى، والخلوص في نصيحة الأمة. والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأهوال ومنازلة الأحوال والإيثار لأمره والحياء من نظره. وبذل المجهود في محبوبه والتعرض لكل سبب يوصل إليه وصحبة من يدل عليه. والقناعة بالخمول وعدم سكون القلب أما شيء دون الوصول”. وحقيقة هذا هو تعريف المريد الحقيقي.
* وقد قالوا أن شروط الفقير أربعة:
- رفع الهمة.
- وحسن الخدمة.
- تعظيم الحرمة.
- نفوذ العزيمة.
هذه هي الشروط الأساسية، وما بُني عليها فكثير جداً فراجع كتب القوم إن أردت.
وخلاصة المطاف قولنا:
المريد: هو شخص قلبه فارغ مما سوى الله.

اترك تعليقاً